أحتاجُ شرحاً متعلّقاً برؤيةِ اللهِ تعالى في الآخرة  

: سيد عبدالهادي

السلامُ عليكُم ورحمة الله وبركاته، 

قامَ البرهانُ العقليُّ والنقليّ على استحالةِ رؤيةِ اللهِ تعالى بالأبصارِ، بلا فرقٍ بينَ دارِ الآخرةِ أو الدنيا، في اليقظةِ أو المنام، أو غيرِ ذلك؛ إذ مُقتضى البرهانِ امتناعُ وقوعِ ذلكَ واستحالةُ تحقّقِه بأيّ نحوٍ كان.. وافتراضُ جوازِ الرؤيةِ يلزمُ منهُ أحدُ لازمين: إمّا وقوعُ خللٍ في معرفةِ اللهِ تعالى ومعرفةِ كمالاتِه وصفاتِه، أو عدمُ تعقّلِ الرؤيةِ وعدمُ إمكانها.   

بيانُ ذلك: لابدّ لكلٍّ مرئيٍّ أن يكونَ مُقابلاً ـ ولو حُكماً ـ بالضرورةِ العقليّةِ، وكلُّ مقابلٍ هوَ في جهةٍ بالضرورة، وحينئذٍ لو كانَ اللهُ (جلّ جلاله) مرئيّاً لكانَ مُتحيّزاً في جهةٍ ـ لأنّ الرؤيةَ تستلزمُ إثباتَ الجهةِ له ـ، وهوَ محالٌ؛ لأنّ اللهَ تعالى منزّهٌ عن الجهةِ والتحيّز.   

ثمّ إنّ العينَ لا تستطيعُ أن ترى إلّا الأجسامَ، بل لا ترى إلّا بعضاً مِن كيفيّاتِ الأجسام، فإذا لم يكُن الشيءُ جسماً ولا كيفيّةً منَ كيفيّاتِ الأجسامِ لا يمكنُ أن تراهُ العين، وبما أنَّ اللهَ تعالى أرفعُ مِن أن يكونَ جسماً أو له أحكامُ الأجسامِ فلا يمكنُ رؤيته. وقد نبّهَ الإمامُ الصّادق (عليهِ السلام) في روايةٍ بقوله: « إنّ الأبصارَ لا تدركُ إلّا ما لهُ لونٌ وكيفيّة، واللهُ تعالى خالقُ الألوانِ والكيفيّة » على أنّ الجسمَ بذاتِه لا يُرى مُطلقاً، وإنّما الذي نراهُ هو اللونُ والكيفيّة، فإذا لم يكُن للجسمِ أيّ لونٍ فلن يُرى.    

إذن: الرؤيةُ تستلزمُ المقابلةَ والجهةَ والتحيّزَ والتكيّفَ، وهيَ مِن لوازمِ الجسميّة، وهذا ما يبيّنُ عدمَ معقوليّةِ كلامِ الأشاعرة؛ إذ ذهبوا إلى أنّ جوازَ رؤيةِ اللهِ منزّهاً عن المقابلةِ والجهةِ والمكان، وقد تقدّم: أنّ هذه اللوازمَ ثابتةٌ بالضرورةِ العقليّةِ للرؤية؛ إذ لا تتعقّلُ الرؤيةُ دونَ المُقابلةِ والجهةِ والمكانِ كما هوَ واضحٌ، وبهذا يظهرُ فسادُ هذا القولِ لعدمِ معقوليّتِه في نفسِه أصلاً.  

وذهبَت المشبّهةُ والكراميّةُ إلى جوازِ رؤيةِ اللهِ (جلّ جلاله) في الجهةِ والمكان؛ باعتبارِ أنّه جسمٌ عندَهم، ويجوزُ رؤيةُ الجسم! ولا يخفى أنّ هذا القولَ فاسدٌ جدّاً، ولا يقولُ بهِ عاقلٌ يحترمُ عقلَه ودينَه؛ إذ الثابتُ بالبراهينِ العقليّةِ والنقليّةِ تنزّهُ اللهِ تعالى عن الجسميّةِ وأحكامها.   

وقد دلّت الأدلّةُ النقليّةُ القرآنيّةُ والحديثيّةُ على امتناعِ رؤيةِ اللهِ تعالى ـ إضافةً إلى الأدلّة العقليّةِ التي تقدّمَت الإشارةُ إلى بعضها ـ، كقولِه تباركَ وتعالى: {لَّا تُدرِكُهُ الأَبصَارُ وَهُوَ يُدرِكُ الأَبصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ}[الأنعامُ: 103]، وقولِه تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلمًا}[طه: 110]، وقولِه تعالى لموسى (عليهِ السلام): {لَن تَرَانِي}[الأعراف: 143].   

رُويَ عن أميرِ المؤمنينَ (عليهِ السلام) أنّه قال: « وكلَّت عن إدراكِه طروفُ العيون »، وعنهُ (عليهِ السلام): « الحمدُ للهِ الذي هوَ أوّلُ لا بديء ممّا، ولا باطنَ فيما، ولا يزالُ مهما، ولا ممازجَ مع ما، ولا خيالاً وهماً، ليسَ بشبحٍ فيُرى، ولا بجسمٍ فيتجزّأ، ولا بذي غايةٍ فيتناهى، ولا بمحدّثٍ فيُبصر، ولا بمُستترٍ فيُكشف.. البعيدُ عن حدسِ القلوب، المُتعالي عن الأشباهِ والضروب، الوترِ علّامِ الغيوب، فمعاني الخلقِ عنهُ منفيّة، وسرائرُهم عليهِ غيرُ خفيّة، المعروفُ بغيرِ كيفيّة، لا يُدركُ بالحواس، ولا يُقاسُ بالناس، ولا تدركُه الأبصار، ولا تحيطه الأفكار، ولا تقدّرُه العقول، ولا تقعُ عليهِ الأوهام، فكلّما قدّرَه عقلٌ أو عرفَ له مثلٌ فهوَ محدودٌ، وكيفَ يوصفُ بالأشباحِ ويُنعتُ بالألسنِ الفِصاحِ مَن لم يحلل في الأشياءِ فيقالُ هو فيها كائنٌ، ولم ينأ عنها فيقالُ هو عنها بائنٌ.. »، وعن الإمامِ الكاظمِ (عليه السلام): « لا تقدّرُه العقولُ، ولا تقعُ عليهِ الأوهام، ولا تحيطُ به الأقطار، ولا يحويهِ مكان، ولا تدركهُ الأبصار وهوَ يدركُ الأبصارَ وهوَ اللطيفُ الخبير، وليسَ كمثلِه شيءٌ وهوَ السّميعُ البصير »، وعن الإمامِ الرّضا (عليهِ السلام): « لا تضبطهُ العقولُ، ولا تبلغُه الأوهام، ولا تدركُه الأبصار، ولا يحيط به مقدار، عجزَت دونَه العبارة، وكلّت دونَه الأبصار »، وغيرُ ذلكَ منَ الرواياتِ الكثيرة.   

إذا تبيّنَ هذا، نقولُ: إنّ الأدلّةَ القطعيّةَ العقليّةَ والنقليّة ـ قرآناً وسنّةً ـ تحكمُ باستحالةِ رؤيةِ اللهِ تعالى بالحاسّةِ البصريّة مُطلقاً، بلا فرقَ بينَ الدنيا والآخرة؛ لاستلزامِها جملةً منَ المحاذيرِ الباطلةِ التي تقدّمَت الإشارةُ إلى بعضِها..

وهذهِ الأدلّةُ المُحكمةُ المُتقنةُ تعدُّ ميزاناً لمعرفةِ معاني الآياتِ المُتشابهاتِ التي قد تدلُّ بدلالةٍ ظنيّةٍ على جوازِ الرؤية؛ إذ لا بدّ ـ لرفعِ التصادمِ بينَ القطعيّ والظنيّ ـ مِن توجيهِ الآياتِ بما ينسجمُ ويتلاءمُ معَ تلكَ البراهينِ القطعيّةِ النافيةِ للرؤية، وهذا نظيرُ الأدلّةِ القطعيّةِ الثابتةِ بالعقلِ والنقلِ أنّ اللهَ تعالى ليسَ جسماً ولا مُركّباً، وعلى ضوئِها لا بدّ مِن نفي دلالةِ مثلِ قولِه تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوقَ أَيدِيهِم}[الفتح: 10]، وقولِه: {بَل يَدَاهُ مَبسُوطَتَانِ}[المائدة: 64] عن إثباتِ اليدِ الجارحةِ للهِ تعالى، ولزومِ القولِ بدلالتِها على معنىً آخر لا يستلزمُ محذوراً كالقُدرةِ والقوّةِ والنعمةِ ونحوِها ممّا يُستعملُ فيها لفظُ اليد، كما هوَ واضح.  

  

وقد تمسّكَ القائلونَ بالرؤيةِ ببعضِ الآياتِ، وعمدتُها قولُ اللهِ تعالى: {كَلَّا بَل تُحِبُّونَ العَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآَخِرَةَ * وُجُوهٌ يَومَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَومَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ}[القيامةُ: 20ـ25]، ويلاحظُ بشأنِ دلالتِها:   

أنّ النظرَ لا يستلزمُ الرؤية؛ إذ يصحُّ أن يُقال: نظرتُ إلى الهلالِ فلم أرَه، مع أنّه لو أريدَ الرؤيةُ لكانَ ينبغي إسنادُها للعيونِ لا للوجوهِ؛ إذ الرؤيةُ للعينِ لا للوجه، إضافةً إلى أنّ قرينةَ المُقابلةِ في هذهِ الآياتِ الستِّ تعينُ إرادةَ معنى الانتظارِ، بيانُ ذلك:   

إنّ قولَه تعالى:{كَلَّا بَل تُحِبُّونَ العَاجِلَةَ} يقابله: {وَتَذَرُونَ الآَخِرَةَ}، وقوله: {وُجُوهٌ يَومَئِذٍ نَاضِرَةٌ} يقابله: {وَوُجُوهٌ يَومَئِذٍ بَاسِرَةٌ}، وقوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} يقابله: {تَظُنُّ أَن يُفعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ}، ومعاني الآياتِ الأربعِ الأولى واضحةٌ، وإنّما الكلامُ في معنى {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، والذي يقرِّبُ معناه هوَ ما يقعُ مقابله وهوَ قوله: {تَظُنُّ أَن يُفعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} وهو صريحٌ في أنّ أصحابَ الوجوهِ الباسرةِ ينتظرونَ العذابَ الكاسرَ لظهورِهم ويظنّونَ نزوله، وهذا الظنُّ لا ينفكّ ُعن الانتظار، فكلُّ ظانٍّ لنزولِ العذابِ مُنتظرٌ، فيكونُ قرينةً على أنّ أصحابَ الوجوهِ الناضرةِ ينظرونَ إلى ربّهم أي يرجونَ رحمتَه وينتظرونَ ثوابه، ويدلُّ على ذلكَ: استعمالُ العربِ النظرَ بالوجوهِ في انتظارِ الرحمةِ أو العذاب أو نحوِها، كقولِ الشاعر: (وجوهٌ ناظراتٌ يومَ بدر * إلى الرحمنِ يأتي بالفلاح)، ويرادُ به انتظارُ النصرِ والفتح، وقولُ الشاعر: (إنّي إليكَ لمّا وعدتَ ناظرٌ * نظرَ الفقيرِ إلى الغنيّ الموسر) ويرادُ بهِ الانتظارُ والصبرُ حتّى يعينه.   

وروى الشيخُ الصّدوقُ في [التوحيدِ ص116، والأمالي ص409، والعيون ج1 ص182] بإسنادِه عن إبراهيمَ بنِ أبي محمود، قالَ: قالَ عليٌّ بنُ موسى الرّضا (عليهِ السلام) في قولِ اللهِ (عزّ وجلّ): {وُجُوهٌ يَومَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، قال: « يعني مُشرقةً تنتظرُ ثوابَ ربّها »، وروى أيضاً في [التوحيدِ ص254] عن أميرِ المؤمنينَ (عليهِ السلام) ما يفيدُ هذا المعنى أيضاً.   

والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.