هل زوجاتُ النبيّ من ضمن اهل البيت الوارد ذكرهم في آيةِ التطهيرِ؟

في آيةِ التطهيرِ كيفَ نقولُ أنّ الزوجةَ ليسَت منَ الأهلِ في قبالِ قولِه تعالى: {قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحنُ أَعلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهلَهُ إِلَّا امرَأَتَهُ كَانَت مِنَ الغَابِرِينَ} [العنكبوتُ: 32]، إذن: زوجاتُ النبيّ (ص) مشمولاتٌ بهذهِ الآية. أي آيةِ التطهير؟

: سيد رعد

السلامُ عليكُم ورحمةُ الله،اعلَم أخي السائل أنّ هذهِ المسألةَ قد أجابَ عنها علماؤنا (أعلى اللهُ تعالى بُرهانهم) بأجوبةٍ ناصعةٍ واضحةٍ يقبلها كلُّ باحثٍ مُنصٍف يُحكّم عقلَه، وهيَ: أنَّ هذهِ الآيةَ وأمثالَها منَ الآياتِ التي دلّت على أنّ زوجاتِ الأنبياء مِن أهلِ البيتِ كما في قولِه تعالى في سورةِ هود: {قَالُوا أَتَعجَبِينَ مِن أَمرِ اللَّهِ رَحمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُم أَهلَ البَيتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ}. أي إذا كانَت هذه الآياتُ صريحةً في مُخاطبةِ زوجاتِ الأنبياءِ عليهم السّلام بأنّهُنَّ مِن أهلِ البيت، فحينئذٍ أينَ الخطابُ الصريحُ في سورةِ الأحزاب الذي يُفترضُ أنّه خاطبَ به زوجاتِ الرسولِ (ص) بعبارةِ أهلِ البيت، حتّى يصحَّ أن نقول: إنَّ عبارةَ (أهلِ البيت) في سورةِ العنكبوتِ أو في سورةِ هود، هيَ نظيرُ أختِها التي في سورةِ الأحزاب، بدعوى أنّ هذا مِن بابِ تفسيرِ القرآنِ بالقرآن؟!  أيوجدُ هناكَ خطابٌ صريحٌ في ذلك؟ الجوابُ: كلّا.  ولو كانَ هناكَ خطابٌ صريحٌ في ذلك لَـما وقعَ خلافٌ بينَ أهلِ العلمِ في تفسيرِ هذه الآيةِ قديماً وحديثاً، وخصوصاً فيما بينَ علماءِ السنّةِ وعلماءِ الشيعةِ الإماميّة. ثُمَّ اعلم أخي القارئ المُنصف أنّه ليسَ هناكَ خلافٌ بينَ الشيعةِ الإماميّةِ وبينَ غيرِهم منَ المذاهبِ الإسلاميّةِ في أنّ زوجةَ الرجلِ تُعَـدُّ مِن أهلِ بيتِه لُغةً وعرفاً، وقد أكّدَ ذلكَ القرآنُ العظيمُ في أكثرِ مِن آيةٍ كما هو معروفٌ بينَ أهلِ العلم.  إنّما أصلُ الخلافِ حاصلٌ في أنّ آيةَ التطهيرِ التي نزلَت على رسولِ الله (ص) بشكلٍ مُستقلٍّ عن الآياتِ التي سبقَتها والتي تلتها في قولِه تعالى مِن سورةِ الأحزاب: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرًا}، والتي وردَ في ضمنِها عبارةُ (أهلِ البيت)، هل تشملُ هذهِ الآيةُ زوجاتِ النبيّ (ص)، أو أنّها تختصُّ بالخمسةِ أهلِ الكساءِ فقط كما دلّت على ذلكَ الأحاديثُ الصحيحةُ والكثيرةُ التي وردَت عن النبيّ الأكرم (ص)؟ فالشيعةُ الإماميّةُ كما هو معروفٌ عنهم تمسّكوا بدليلِ السنّةِ الشريفةِ المُستفادِ مِن أحاديثَ كثيرةٍ وصحيحةٍ وردَت في صحيحِ مُسلِم وسُننِ الترمذيّ والنسائيّ وفي مُسندِ أحمدَ بنِ حنبل ومصنّفِ ابنِ أبي شيبة وغيرِها منَ الكُتبِ المُعتبرة، وحاصلُ هذهِ الرواياتِ، أنّه عندَ نزولِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيراً﴾ [الأحزاب: 33]، ثبتَ عن أمِّ سلمةَ أنّها قالت: إنّ رسـولَ اللهِ (ص) جـمعَ عليّاً وفاطمةَ والحسنَ والحُسين في كساءٍ فقالَ: «اللّهُمَّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي (وفي روايةٍ: وخاصّتي)، فأذهِب عنهُم الرجسَ وطهِّرهم تطهيراً»، فقالَت أمّ سلمةَ للنبيّ (ص): وأنا يا رسولَ اللهِ معكم؟ فقالَ لها النبيّ (ص): «أنتِ على مكانِك» أو «أنتِ على خير»، وفي روايةٍ أنتِ مِن أزواجِ النبيّ (ص). فهوَ إذن: لم يأذَن لها بالدخولِ معهم في ذلكَ الكساءِ الذي يُعَـدُّ عنواناً واضحاً للمعنيّينَ بهذهِ الآية، إذ إنّك لو دقّقتَ في قولِ أمِّ سلمةَ (رض)، وطلبِها منَ النبيّ (ص)، ولاحِظ جوابَ النبيّ (ص) لها في ذلكَ، لعلمتَ أنّ رسولَ الله (ص) أرادَ بهذا المشهدِ العظيمِ أن يُشبّهَ البيتَ الذي في آيةِ التطهيرِ بالكساء، وأنّ الذينَ أدخلهم معهُ في الكساءِ، كانوا هُمُ المعنيّينَ بـ(أهلِ البيت) في الآيةِ الكريمة، فهوَ ـ إذن ـ كانَ في مقامِ بيانِ أنّ هذهِ الآيةَ لا تشملُ إلّا هؤلاءِ الخمسة أهلِ الكساء. عِلماً أنّ عائشةَ أيضاً روَت حديثَ الكساءِ كما روَته أمُّ سلمة، فراجِع صحيحَ مُسلمٍ ومُسندَ أحمد وغيرَهما في بابِ فضائلِ أهلِ البيت.وأمّا أهلُ السنّةِ فإنّهم تمسّكوا بحُجّةِ السياقِ لإدخالِ نساءِ النبيّ (ص) في آيةِ التطهيرِ بدعوى أنّ سياقَ الكلامِ معهنَّ، وقد بيّنّا أنّ حُجّةَ السياقِ لا يصحُّ العملُ بها في كلِّ موضعٍ مِن مواضعِ القرآنِ العظيم، لأنّ القرآنَ العظيمَ لم يُرتِّب على سببِ النزول، وخصوصاً إذا كانَت الأحاديثُ الواردةُ عن النبيّ (ص) هيَ بخلافِ ما يُفهمُ منَ السياقِ كما في نزولِ آيةِ التطهيرِ موضعَ البحثِ والمُناقشة، وقد نبّهَ العلماءُ على المواردِ التي يصحُّ العملُ فيها بقاعدةِ السياق، وعلى المواردِ التي لا يصحُّ العملُ بها، فوضعوا لقاعدةِ السياقِ معياراً واضحاً ونصُّه ما يلي: (إدخالُ الكلامِ في معاني ما قبلَه وما بعدَه أولى منَ الخروجِ عنهُما، إلّا بدليلٍ يجبُ التسليمُ به) كما في كتابِ قواعدِ الترجيحِ عندَ المُفسّرينَ لحُسينٍ بنِ عليّ الحربيّ، أو دلالةِ السياقِ القرآنيّ للدكتورِ عبدِ الحكيمِ القاسمِ وغيرِهما ممَّن نبّهَ على هذهِ القاعدةِ التي عملَ بها جمهورُ المُفسّرينَ منَ الفريقين.فإذن: لولا دليلُ السنّةِ في هذا الموضعِ لكانَ رأيُ الإماميّةِ كرأي غيرِهم مِن عُلماءِ المُسلمين، لكنّهم تعبّدوا بما جاءَ عن النبيّ (ص) في هذا الموضعِ خشيةَ الاجتهادِ مع نصِّ النبيّ (ص) وبيانِه لهذهِ الآية، بخلافِ غيرِهم حينَ اجتهدوا في هذهِ الآيةِ وخالفوا تفسيرَ النبيّ (ص) وخالفوا قاعدةَ السياق. والحاصلُ: أنّ علماءَ الإماميّةِ ـ كما هوَ معروفٌ عنهم ـ ما أخرجوا نساءَ النبيّ (ص) مِن (أهلِ البيت) الجاري وِفقَ المعنى اللغويّ، أو العُرفيّ الواردِ في القرآنِ الكريم عموماً كما يُدَندِنُ بذلكَ بعضُ المُشكّكينَ، وإنّما أخرجوهنَّ مِن (آيةِ التطهير) حَسبَ التي تضمّنت عبارةَ (أهلِ البيت)، إذ ثبتَ أنّ المرادَ بهم أهلُ الكساءِ الخمسة، وليسَ غيرُهم وِفقاً لِـما وردَ عن رسولِ الله (ص) في أكثرِ مِن حديثٍ صحيح. وعليهِ: فإنَّ الذينَ يصرُّونَ على الاحتجاجِ بتوسيعِ دلالةِ الآيةِ مِن جهةِ السياقِ واهمونَ جدّاً، فضلاً عن كونِهم يوهمونَ مَن يأخذُ بهذا القول، ذلكَ بأنّ الإصرارَ على هذا القولِ معناه: أنّهم قد ٱستدركوا على رسولِ الله (ص) أمراً كانَ قد فاتَه أو خفيَ عليه، وحاشاهُ مِن كُلِّ ذلك، ولاسيّما أنّه (ص) قد كرّرَ ما صنعَه في قصّةِ الكساءِ غيرَ مرّةٍ بمحضرِ بعضِ أزواجِه تارةً، وبمحضرِ بعضِ أصحابِه تارةً أُخرى، زِد على ذلكَ أنّ بعضَ الصحابةِ روى عن النبيّ (ص) أنّه كانَ يَمُرُّ ببيتِ عليٍّ وفاطمةَ والحسنِ والحُسين شهوراً فيُنادي ويقول: «الصلاةُ الصلاةُ إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عنكم الرِّجس أهلَ البيتِ ويُطهّرَكم تطهيراً». [كما في سُننِ الترمذيّ ومُسندِ أحمد ومُعجمِ الطبرانيّ وغيرِهم]. وهذا التكرارُ منه (ص) في هذا المورد ـ بهذهِ الصيغِ المُختلفةِ التي تتضمّنُ مدلولاً واحداً ـ ما هوَ إلّا توكيدٌ منه (ص) على أنَّ آيةَ التطهيرِ لا تشملُ إلّا هؤلاءِ الخمسة، وذلكَ لئلّا يَتوَهَّمَ مُتوَهِّمٌ، أو يَدّعي مُدّعٍ أنّها تشملُ غيرَهم كما هوَ صنيعُ بعضِ المُفسّرينَ والمُحدِّثين. ودمتُم سالِمين.