لماذا استخدمَ القرآنُ الكريمُ لفظَ (ذائقةٌ) في قولِه تعالى: (كُلُّ نَفسٍ ذَائِقَةُ المَوتِ)؟!

السلام عليكم سؤالي لماذا استعمل الله تعالى مفردة ذاق في الآية الكريمة كل نفس ذائقة الموت. اسفة على تكرار سؤالي لان يجب علية تحضير بحث بخصوص هذا الموضوع لاني طالبة في الحوزة

: سيد رعد

السلامُ عليكُم ورحمةُ الله،الجوابُ عن هذا السّؤالِ فيهِ حاجةٌ إلى مُقدّمةٍ، إذ مِن خلالِها يتبيّنُ لكُم المُراد، وحاصلُ هذهِ المُقدّمة: أنّه يوجدُ لدينا في علمِ البلاغةِ والبيانِ بابٌ يُسمّى باب الاستعارة، إذ عُرّفَت هناكَ بأنّها تشبيهٌ حُذِفَ أحدُ طرفيه، أو أنّها مجازٌ لغويٌّ علاقتُه المُشابهة، فإذا صُرِّحَ بالمُشبّهِ به تسمّى تصريحيّةً، وإذا لم يُصرّح به تُسمّى مكنيّة. [يُنظر جواهرُ البلاغة للهاشميّ، بابُ الاستعارة].  وممّا تقدّمَ فإنّ ما جاءَ في قوله تعالى: (كلُّ نفسٍ ذائقةٌ الموت) يشيرُ إلى وجودِ استعارةٍ مكنيّةٍ، وذلكَ لأنّ الذوقَ للسان، ومعنى ذلكَ أنّهُ شبّهَ الموتَ بشيءٍ يُذاقُ ثمَّ حذفَ المُشبّهَ به فهيَ مكنيّةٌ. والفائدةُ مِن هذهِ الاستعارةِ المكنيّةِ في هذهِ الآية (ذائقةٌ الموت) إشارةٌ إلى شدّةِ الالتصاقِ والاتّصال. أي كأنَّ الموتَ يتحوّلُ إلى شيءٍ يكونُ في الفمِ أقربَ شيءٍ منَ الإنسانِ بحيثُ يذوقُه ويتحسّسُه، وهذا معناهُ أنّ الموتَ ليسَ خيالاً، وإنّما يُذاقُ ويُتحسّسُ به مَن يقعُ عليه. فكما أنّ الشيءَ الذي يوضعُ على اللسانِ يُحسّ به، فهكذا سيكونُ قُربُ الموتِ منَ الإنسانِ والتصاقُه به، فهذهِ هيَ الغايةُ مِن هذهِ الاستعارة. ولذا يذهبُ كثيرٌ منَ العُلماءِ إلى أنّ حقيقةَ الذّوقِ هوَ ما أدركَ بحاسّةٍ، فيكونُ استعمالها في النّفسِ استعارةً، وإنّما حسُنَ وصفُ النّفسِ بذلكَ لِما يحسُّ بهِ مِن كربِ الموتِ وعذابِه، فكأنّها تحسّهُ بذوقِه. (تلخيصُ البيانِ في مجازاتِ القرآنِ للشريفِ الرّضي ص126).  وقد قالَ الطبرسي: { كلُّ نفسٍ ذائقةٌ الموت } أي: ينزلُ بها الموتُ لا محالةَ، فكأنّها ذاقتهُ. وقيلَ: معناهُ كلُّ نفسٍ ذائقةٌ مقدّماتِ الموتِ، وشدائدِه وسكراتِه. (مجمعُ البيانِ: 2 / 464). فالإنسانُ يتذوّقُ الموتَ عندَما يتجرّعُ مرارتَها، ويجدُ مرارةَ مُفارقةِ الرّوحِ للبدن. فناسبَ استعمالُ الذّوقِ لأنّها أبلغُ في تصويرِ الحالةِ، أو لحتميّةِ وقوعِها. ودمتُم سالِمين.