هل كانَت عائشة شديدةَ الذكاءِ والحفظِ لأحاديثِ النبيّ ص وكثيرةَ الروايةِ عنه؟

تحاورت معي أخت سنية وبدأ كلامنا عن دور عائشة ولماذا حازت هذه المكانة من رسول الله ص وأنه قال خذوا نصف دينكم من عائشة مع أنها كانت كثيرة الخطأ فقالت أنها كانت شديدة الذكاء والحفظ لأحاديث النبي ص وكثيرة الرواية عنه .. فما هو الجواب والرد المناسب الذي يثبت أنه لم يكن هناك ما يميزها عن سائر نساء النبي ص وأنها استمرت بأخطائها وأذيتها للنبي وأهل بيته حتى بعد وفاته ص مع المصادر السنية جزيتم خيرا عن الدين والمذهب

: سيد عبدالهادي

السلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه،ينبغي الحديثُ حولَ ثلاثِ نقاط:  النقطةُ الأولى: حديثُ: « خُذوا نصفَ دينِكم منَ الحُميراء »:  اشتهرَ حديثُ: « خُذوا نصفَ دينِكم منَ الحُميراء » ـ يعني عائشة ـ، وفي بعضِ المصادرِ: « ثلثَ دينِكم »، وفي بعضِها: « ثُلثي دينكم »، وفي بعضِها: « شطرَ دينكم » في كلماتِ علماءِ الفقهِ والأصولِ منَ المُخالفين، إلّا أنّ علماءَ الحديثِ ونقّادَ الآثارِ صرّحوا بأنّه حديثٌ لا يصحّ، وليسَ لهُ إسنادٌ، بل هوَ حديثٌ موضوعٌ مكذوب، وقد ذكرَ العلّامةُ السيّدُ حامِد حُسين اللكهنويّ كلامَ عشرينَ عالماً مِن علماءِ المُخالفين يذكرونَ عدمَ صحّةِ الحديثِ [ينظر: نفحاتُ الأزهار ج2 ص353]، ونكتفي بالمقامِ بما ذكرَه ابنُ أميرٍ الحاجّ في [التقريرِ والتحبير ج3 ص99]: « فقد قالَ شيخُنا الحافظُ: لا أعرفُ لهُ إسناداً، ولا رأيتُه في شيءٍ مِن كتبِ الحديث، إلّا في النهايةِ لابنِ الأثير، ذكرَه في مادّةِ (ح م ر)، ولم يذكُر مَن خرَّجه، ورأيتُه أيضاً في كتابِ الفردوس، لكن بغيرِ لفظِه، ذكرَه مِن حديثِ أنسٍ بغيرِ إسنادٍ أيضاً، ولفظه: « خذوا ثلثَ دينِكم مِن بيتِ الحُميراء »، ونصَّ لهُ صاحبُ مُسندِ الفردوس، فلم يُخرِج له إسناداً، وذكرَ الحافظُ عمادُ الدينِ ابنُ كثير: أنّه سألَ الحافظينَ المزيّ والذهبيّ عنه، فلم يعرفاه، اهـ. قالَ الشيخُ سراجُ الدينِ ابنُ الملقن: وقالَ الحافظُ جمالُ الدينِ المزيّ: لم أقِف له على سندٍ إلى الآن. وقالَ الذهبي: هوَ منَ الأحاديثِ الواهيةِ التي لا يُعرَفُ لها إسناد. بل قالَ تاجُ الدينِ السبكيّ: وكانَ شيخُنا الحافظُ أبو الحجّاجِ المزيّ يقولُ: كلُّ حديثٍ فيه لفظُ الحُميراءِ لا أصلَ له، إلّا حديثاً واحداً في النسائيّ ». إذن: هذا الحديثُ ضعيفٌ، بل موضوعٌ، كما صرّحَ علماءُ الحديثِ والرجال.   النقطةُ الثانية: كثرةُ رواياتِ عائشة:  روَت عائشةُ بنتُ أبي بكر أحاديثَ كثيرةً، وقد قالَ الحافظُ الذهبيّ في [سيرِ أعلامِ النبلاء ج2 ص140]: « مُسندُ عائشةَ يبلغُ ألفينِ ومئتينِ وعشرةَ أحاديث، اتّفقَ لها البُخاريّ ومُسلم على مئةٍ وأربعةٍ وسبعينَ حديثاً، وانفردَ البُخاريّ بأربعةٍ وخمسين، وانفردَ مُسلمٌ بتسعةٍ وستّين »، وقالَ: « ولا أعلمُ في أمّةِ محمّدٍ (صلّى اللهُ عليهِ [وآله] وسلّم)، بل ولا في النساءِ مُطلقاً، امرأةً أعلمُ منها »، وتوجدُ كلماتٌ أخرى لغيرِه تقعُ بهذا السياق.  يقالُ: إنّها زُفَّت إلى النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) وهيَ بنتُ تسعِ سنين، وتوفيَ عنها وهيَ بنتُ ثمانِ عشرةَ، أي: إنّها كانَت بقُربِ النبيّ (صلى اللهُ عليهِ وآله) تسعَ سنين.  ونتساءلُ: ما السرُّ في اختصاصِ عائشةَ بهذا العددِ الكبيرِ منَ الرواياتِ مِن بينِ نساءِ النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله)؟ هل للحكومةِ دورٌ في تقويةِ مكانتِها؟ بل ما هوَ سرُّ انفرادِها في نقلِ بعضِ الأحكامِ كرضاعِ الكبير؟ فإن كانَ ذلكَ لفقهِها وقوّةِ استنباطِها فلماذا يعارضُها الناسُ، فقد أخرجَ الطحاويّ في [شرحِ معاني الآثار ج1 ص492] عن أبي سلمةَ: « إنّ عائشةَ حينَ توفّيَ سعدٌ بنُ أبي وقاص قالت: ادخلوا به المسجدَ حتّى أُصلّي عليهِ، فأنكرَ الناسُ ذلكَ عليها »؟  ولماذا كثُرَ إفتاؤها في العهدِ الأمويّ؟ ولماذا روَت تلكَ الأحاديثَ العجيبةَ الغريبةَ، التي تصوّرُ النبيَّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) شخصيّةً مجونيّةً يحبُّ اللهوَ واللعب؟! ولماذا روَت أحاديثَ تشرعنُ أفعالَ طغاةِ بني أميّةَ مِن ضربِ الدفوفِ ونحوِها؟ وكيفَ روَت ـ وهيَ امرأةٌ ـ تلكَ الأحاديثَ الجنسيّة؟!  ولماذا لم تُروَ كلُّ تلكَ الأحاديثِ عن غيرِها مِن نساءِ النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، كالسيّدةِ أمِّ سلمةَ وماريّةَ القبطيّةَ وحفصةَ وغيرهنَّ؟! لماذا انفردَت هيَ بها؟!هل كانَ لحُكّامِ بني أميّةَ دورٌ في ذلك؟ هل استخدموها كورقةٍ لتشويهِ صورةِ النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله)؟ ولشرعنةِ أفعالِهم القبيحةِ ومُنكراتِهم الفظيعةِ؟ أم أنّها كانَت تفعلُ ذلكَ ليكونَ لها دورٌ بينَ المُسلمينَ طمعاً بالوجاهةِ الاجتماعيّةِ والدينيّةِ بعدَ أن انحسرَت مكانتُها بينَ المُسلمين بعدَ مقتلِ عُمرَ بنِ الخطّاب، ولهذا ألّبَت الناسَ على عُثمان؟ أم أنّ جملةً مِن تلكَ الأحاديثِ وضعَها الأمويّونَ عليها لتشويهِ صورتِها وسمعتِها؛ إذ إنّها أفتَت بقتلِ عُثمان بقولِها: « اقتلوا نعثلاً فقَد كفر »، وحصلَت عداوةٌ بينَها وبينَ معاويةَ ممّا أدى إلى قتلها؟ لعلّ الأقربَ أنّ جميعَ هذه العواملِ لها نصيبٌ في ذلكَ حسبَ الظروفِ والأحوال.على كلِّ حالٍ، لا نجدُ لعائشةَ ميّزةً على غيرِها مِن نساءِ النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، لتروي هذا الكمَّ الهائلَ منَ الرواياتِ، وهذا النوعَ منَ الرواياتِ، معَ أنّ عمرَها عندَ شهادةِ النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) ثمانيةَ عشرةَ سنةٍ، أي إنّها كانَت معَ النبيّ في زمانِ طفولتِها، لا زمانِ رُشدِها الفكريّ، بينَما بلغَت أحاديثُ غيرِها مِن زوجاتِ النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) ـ أعني: أمَّ سلمةَ وميمونةَ وأمَّ حبيبة وحفصةَ وصفيّةَ وزينبَ وجويريّة وسودة ـ في جوامعِ السيرة (621) حديثاً، بينَما أحاديثُ عائشةَ لوحدِها (2210) حديثاً، فهناكَ علاماتُ استفهامٍ كبيرةٌ وكثيرةٌ بخصوصِ هذهِ الأحاديث.   النقطةُ الثالثة: وثاقةُ عائشةَ في نقلِ الأحاديث: تبنّى المُخالفونَ نظريّةَ (عدالةِ الصحابةِ)، فاعتبروا كلَّ صحابيٍّ عادلاً ثقةً، وكأنَّ رؤيةَ النبيّ تجعلُ الصحابيَّ مأموناً عن الخطأ في النقلِ، مُتحرّزاً عن الكذب! وهذهِ نظريّةٌ لا أساسَ لها منَ الصحّةِ كما هوَ معلومٌ لدى أهلِ العلم، والصحيحُ أنّ الصُّحبةَ لا تؤثّرُ في كونِ الصحابيّ ثقةً في النقل، مأموناً منَ الخطأً، وإنّما يُبحثُ في حالِ كلِّ صحابيٍّ لوحدِه، ونتساءلُ:  أكانَت عائشةُ بنتُ أبي بكرٍ موثوقةً في النقلِ أم لا؟  أقولُ: إنّ مطاعنَ عائشةَ كثيرةٌ في كتبِ الحديثِ والسيرة، وما يهمُّنا في المقامِ هيَ الأدلّةُ على أنّها لم تكُن موثوقةً في كلامِها ونقلِها، ولا يسعُ المجالُ للبسطِ والتفصيلِ، ونكتفي بثلاثةِ شواهد:  الشاهدُ الأوّلُ: أنّ عائشةَ كانَت أحدَ العُصبةِ التي اتّهمَت السيّدةَ ماريّةَ القبطيّةَ بالفاحشةِ، ونفَت ولدَها إبراهيمَ (عليهِ السلام) عن النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، روى الحاكمُ النيسابوريّ في [المُستدرَك ج4 ص39] بإسنادِه عن عائشةَ قالت: « أهديَت ماريّةُ إلى رسولِ الله (صلّى اللهُ عليهِ وآله) ومعَها ابنُ عمٍّ لها قالَت فوقعَ عليها وقعةً فاستمرَّت حاملاً، قالَت: فعزلَها عندَ ابنِ عمّها، قالت: فقالَ أهلُ الإفكِ والزورِ مَن حاجتُه إلى الولد، ادّعى ولدَ غيرِه، وكانَت أمُّه قليلةَ اللبنِ، فابتاعَت له ضائنةً لبوناً، فكانَ يُغذّى بلبنِها فحسُنَ عليهِ لحمُه، قالَت عائشة: فدخلَ بهِ عليَّ النبيُّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) ذاتَ يومٍ فقالَ: كيفَ ترين؟ فقلتُ: مَن غُذِّي بلحمِ الضأنِ يحسنُ لحمُه، قالَ: ولا الشبهُ؟ قالَت: فحملني ما يحملُ النساءَ منَ الغيرةِ أن قلتُ: ما أرى شبهاً، قالَت: وبلغَ رسولُ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) ما يقولُ الناسُ، فقالَ لعليٍّ: خُذ هذا السيفَ فانطلِق فاضرُب عنقَ ابنِ عمِّ ماريّةَ حيثُ وجدتَه، قالت: فانطلقَ فإذا هوَ في حائطٍ على نخلةٍ يخترفُ رطباً، قالَ: فلمّا نظرَ إلى عليٍّ ومعهُ السيفُ استقبلَتهُ رعدةٌ، قالَ: فسقطَت الخرقةُ فإذا هوَ لم يخلِق اللهُ (عزّ وجلّ) لهُ ما للرّجالِ شيءٌ ممسوح ». وجاءَ في [شرحِ نهجِ البلاغةِ للمُعتزليّ ج9 ص195] عن موقفِ عائشةَ حينَ ماتَ إبراهيم: « .. ثمَّ ماتَ إبراهيمُ، فأبطنَت شماتةً وإن أظهرَت كآبة.. »، فقد كانَت لعائشةَ الدورُ الفاعلُ الكبيرُ لإشاعةِ الفريةِ وترويجِها وإصرارِها على ذلكَ وقولها: « ما أرى شبهاً » ونحو ذلك.  والمُستفادُ ممّا وردَ في رواياتِنا: أنّ أربعةً اجتمعوا على قذفِ السيّدةِ الطاهرةِ ماريّةَ (رضوانُ اللهِ عليها)، وهُم أبو بكرٍ وعُمر وعائشةَ وحفصة، وذلكَ بعدَما ملكَت ماريّةُ قلبَ رسولِ الله (صلّى اللهُ عليهِ وآله) حسدَتها عائشةُ وحفصة، وأقبلتا إلى أبويهما تشكوانِ فعلَ النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) وميلهُ إلى ماريةَ، فسوّلَت لهما أنفسُهما أن يقولا: إنَّ ماريّةَ إنّما حملَت مِن جريحٍ، فأقبلَ أبواهما إلى رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) وهوَ جالسٌ في مسجدِه فجلسا بينَ يديه وقالا: يا رسولَ الله، ما يحلُّ لنا ولا يسعنا أن نكتمَك ما ظهَرنا عليهِ مِن خيانةٍ واقعةٍ بك، قالَ: وماذا تقولان؟ قالا: يا رسولَ اللهِ إنَّ جريحاً يأتي مِن ماريّةَ الفاحشةَ العُظمى، وإنَّ حملَها مِن جريحٍ، وليسَ هوَ مِنك. [ينظر: دلائلُ الإمامةِ ص385، نوادرُ المُعجزات ص176، الهدايةُ الكُبرى ص297].  ثمَّ إنّ عائشةَ بعدَما طعنَت بالسيّدةِ ماريّةَ (رضوانُ اللهِ عليها)، نسجَت مِن وحي خيالِها أنّها اتّهمَت بالفاحشةِ أيضاً وقد برّأها اللهُ تعالى، وأنّها هيَ التي نزلَت بشأنِها آياتُ الإفكِ في سورةِ النور، وهيَ روايةٌ طويلةٌ رواها البُخاريُّ وغيرُه، وهيَ مليئةٌ بالتناقضاتِ والإخفاقاتِ، وعليها الكثيرُ منَ الإشكالات، قد تنبّهَ لجُملةٍ مِنها علماءُ المُخالفينَ، فراحوا يرقّعونَها ويتأوّلونَها، [ينظر: اضغط هنا ].أقولُ: إنَّ عائشةَ ـ أوّلاً ـ كانَ لها دورٌ فاعلٌ في الطعنِ بالسيّدةِ ماريّةَ بالفاحشة، وهيَ فريةٌ عظيمةٌ، وثانياً: هيَ نسجَت مِن خيالِها حكايةً لا أساسَ لها منَ الصحّةِ أنّها كانَت المعنيّةَ بآياتِ الإفك، وهيَ حكايةٌ مكذوبةٌ، لا تصحُّ أبداً، ومدارُها عليها. وعلى ذلكَ، كيفَ يمكنُ الوثوقُ بها؟! سيّما أنّ اللهَ كذّبها في الذكرِ الحكيم؟!الشاهدُ الثاني: أنَّ النبيَّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) تزوّجَ ابنةَ الجون، وقد دخلَت عليها عائشةُ وحفصةُ أوّلَ ما قدمَت، فمشطّتاها وخضّبتاها، وقالت لها إحداهُما: إنَّ النبيَّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) يعجبُه منَ المرأةِ إذا دُخلَ عليها أن تقولَ: أعوذُ باللهِ منكَ، فلمّا دخلَ عليها النبيُّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) قالَت: أعوذُ باللهِ منكَ، فقالَ لها: لقد عُذتِ بعظيمٍ، الحقي بأهلِك. [صحيحُ البُخاري ج6 ص164، سننُ ابنِ ماجه ج1 ص657، فتحُ الباري ج9 ص313، وغيرها]. وقد جاءَت في ذلكَ رواياتٌ عديدةٌ، وقد قالَ السيّدُ مُرتضى العسكريّ: « يظهرُ مِن هذهِ النصوصِ: أنّ المتعوّذةَ باللهِ منَ الرسولِ بتعليمٍ مِن أمِّ المؤمنينَ أيضاً كانَت أكثرَ مِن واحدة ».  أقولُ: الملاحظُ أنّ عائشةَ أو حفصةَ تكذبُ على امرأةٍ ساذجةٍ في ليلةِ زفافِها ممّا يؤدّي إلى تطليقِها في نفسِ الليلة، وهوَ خداعٌ ومكرٌ مُحرّم، وقد تضمّنَ كذباً على رسولِ الله (صلّى اللهُ عليهِ وآله).  الشاهدُ الثالث: روى البخاريُّ في [الصحيحِ ج6 ص69] بالإسنادِ عن عائشةَ بنتِ أبي بكر، قالَت: « كانَ رسولُ الله (صلّى اللهُ عليهِ [وآله] وسلّم) يشربُ عسلاً عندَ زينبَ ابنةِ جحش، ويمكثُ عندَها، فواطأت أنا وحفصةُ عن أيّتنا دخلَ عليها فلتقُل له: أكلَت مغافير، إنّي أجدُ منكَ ريحاً مغافير، قالَ: لا، ولكنّي كنتُ أشربُ عسلاً عندَ زينبَ ابنةِ جحش، فلن أعودَ له، وقد حلفتُ، لا تُخبري بذلكَ أحداً ». وهذهِ الروايةُ معروفةٌ مشهورةٌ، رواها البُخاريّ وغيرُه في مواضعَ عديدة.  الملاحظُ أنّ عائشةَ وحفصةَ تتواطئانِ على الكذبِ على رسولِ الله (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، وفي حياتِه، أمامَه جهاراً، بلا استحياءٍ، وتتفقانِ على الطعنِ بريحِ خاتمِ الأنبياءِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، معَ أنّ منَ المُسلَّماتِ أنّ ريحَ النبيِّ الأكرمِ كانَت أطيبَ منَ المسكِ والعنبر، روى البخاريُّ في [الصحيحِ ج2 ص244] بالإسنادِ عن أنسَ بنِ مالك قالَ: « .. ولا شممتُ مسكةً ولا عبيرةً أطيبَ رائحةً مِن رائحةِ رسولِ الله »، بينَما هاتانِ المرأتانِ تتواطئانِ على أن تقولا للنبيّ وبوجهِه بعكسِ ذلك!!  فإن كانت هاتانِ المرأتانِ لا تتورّعانِ عن الكذبِ على رسولِ الله (صلّى اللهُ عليهِ وآله) أمامَه وفي حياتِه، وتكذبانِ كذبةً واضحةً وجليّةً مثلَ هذه، فكيفَ يمكنُ الوثوقُ بإخباراتِها عن النبيّ!!  وهناكَ شواهدُ كثيرة، لا يسعُ المجالُ لسردِها وبسطِها، ومنَ المُفيدِ في هذا البابِ ما كتبَه السيّدُ مُرتضى العسكري في كتابِه [أحاديثُ أمِّ المؤمنينَ عائشة]، فقد سردَ جُملةً مِن أحاديثِها ودرسَها دراسةً علميّةً موضوعيّة، وأوضحَ الإشكاليّاتِ الواردةَ عليها، والتناقضاتِ التي تكتنفُها، ممّا يسلبُ الوثوقَ عنها في النقلِ والرواية.